بسم الله الرحمن الرحيم
{يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } صدق الله العظيم.
أيها السادة الحضور أنه ليسعدني ويشرفني أن أرحب بكم وباسمكم في بلدة أشكدة المجاهدة والتي أبى فضلاؤها من أبناء عمومتكم إلا أن ينتزعوا منكم سلماً الشرف إستضافة هذا اللقاء المبارك الذي لا نشك أنه سيثمر فائدة كبيرة لوطننا وأمتنا.
فليبيا هي أمنا وأهلها جميعاً هم أهلنا وعزوتنا وسندنا وإجتماعنا اليوم لتأكيد الإتصال لا الإنفصال والإمتزاج لا الإنحسار، فنحن أنصار وادي الشاطيء اليوم لا ندعي نقاء عرق لكننا كغيرنا من سكان ليبيا العزيزة، مزيج طيب من وخير من الأفارقة والبربر والعرب والأتراك وغيرهم.
ما نريد أن نصل إليه اليوم هو تأكيد الإلتحام بليبيا والليبيين وإبراز أن ليبيا هي البوتقة التي انصهرنا فيها جميعاً حتى لم يبق من الأصل إلا الإسم، فالأنصار الذين نجتمع تحت مسماهم اليوم هم مزيج من كل سكان ليبيا ورفعنا لعلم الأنصار اليوم لا يعدو كونه أسماً داخل عائلة كبيرة، فكما ينادي الأب أبناءه ويعددهم تعدد ليبيا اليوم وتنادي أبنها ( الأنصار) للتذكير والتحفيز لخدمتها والإنصهار في طاعتها والعمل على رفعتها ووحدتها.
ومن هذا الباب باب خدمة ليبيا بلداً وشعباً ونظاماً سنذكر الأنصار بأصلهم وسيرتهم ونقول:
الأنصار قبل الإسلام:
تنقسم العرب إلى قحطانية وعدنانية وتنتسب العدنانية إلى شخصية تسمى عدنان من سلسلة تنتهي بإسماعيل بن إبراهيم الخليل ويقص علينا الإخباريون العرب بأن عدنان معاصر للملك البابلي بختنصر604_561 ق.م
أما القبائل القحطانية فموطنها الأصلي اليمن ومن مجموعتها الضخمة مجموعة أزد وتتكون من سبع وعشرين قبيلة منهم الأوس والخزرج وغساسنة الشام وقد هاجروا جميعاً من جنوب الجزيرة أي من اليمن إلى الشمال وذبك بعد إنهيار سد مأرب الذي يمكن تحديد إنهياره على وجه التقريب بالقرن الخامس للميلاد.
وتؤكد المصادر أن تأسيس سد مأرب كان حوالي سنة 650 ق.م حسب رأي الموسوعة العربية [ ج24 ص136] نتيجة الإزدهار الذي شهدته مملكة سبأ الأولى التي أستمرت من سنة 950 إلى سنة 115 ق.م وعاصمتها مأرب مركزاً تجارياً هاماً خصوصاً في نقل البخور والعطور واللبان الملك سرجون ملك أشور 720/705 ق.م أشارت نقوشه إلى هدايا فاخرة إستلمها من مملكة سبأ وقد تعرض سد مأرب إلى عدة تصدعات منها تصدع حدث سنة 542م وذلك أيام أبرهة كما يذكر جواد علي في كتابه (تاريخ العرب المطول) [ ج2،ص285].
أما w.mantgomery watt فيورد العثور على نقوش تؤكد أعمال ترميم السد سنوات 450م و 542م ( 1974,p.88 james B.ptitchard solom& sheba phaidon, N.Y)) والأرجح أن إنهيار السد لم يأت مرة واحدة وإنما على فترات طويلة نتيجة تدهور تدريجي في الظروف الإقتصادية وتغير طرق القوافل مما جعل الناس وعلى فترات متعاقبة تغادر اليمن في هجرات متلاحقة صوب الشمال ، ومن بين هؤلاء قبيلة الأوس والخزرج.
وقد أكد القرأن الكريم واقعة إنهيار السد بقوله ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم وأشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتا أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور).
في فترة التدهور الإقتصادي التدريجي الذي حل بالحضارة السبئية اليمنية نتيجة التصدعات التي بدأت تطرأ على سد مأرب وغيره من مظاهر الحاضرة والعمران باليمن قرر عمر بن عمران بن حارثة بن ثعلبة الخزرج من بلاده فباع ما عنده في مأرب وتفرق أولاده في البلاد فنزلت الأوس والخزرج بيثرب وإرتحلت غسان إلى الشام .
إستقر الخزرج والأوس باديء الأمر على أطراف المدينة ولكن سرعان ما وسعوا سلطانهم إلى أن تمت لهم السيطرة على المدينة خلال القرن السادس الميلادي أي في زمن لا يبعد كثيراً عن الإسلام ، كما يقدر الأستاذ جواد علي في كتابه المفصل [ج1،ص135] وما أن تمت لهم الغلبة على اليهود حتى نشب الخصام بين القبيلتين الأوس والخزرج ، وكانت الخزرج أكثر عدداً من الأوس حتى أن أسم الخزرج كان يطلق على الأثنين كما يورد كتاب معجم البلدان [ج4،ص623] وأهم المعارك التي نشبت بين القبيلتين معركة أو وقعة بعاث التي منيت فيها الخزرج بهزيمة ماحقة.
وكلمة الأوس هي إختصار لجملة ( أوس مناة) ومناة صنم من أصنام الجاهلية وأوس هو جد قبيلة الأوس.
أما الخزرج فإنها تعني في اللغة الريح البارد والخزرج هو جد قبيلة الخزرج وشقيق أوس وأسمه الكامل الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمريء القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد.
أما الإمام السمعاني في كتابه الأنساب [ج5 ص109] فيورد الإسم الكامل للخزرج على النحو التالي : الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمر بن عامر بن أمريء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وأهم بطون الخزرج هم بنو عوف بن الخزرج وبنو عمر بن الخزرج وبنو جشم بن الخزرج وبنو الحارث بن الخزرج وبنو كعب بن الخزرج.
وأهم تقسيمات بني جشم بن الخزرج فهي بنو زريق وبنو بياضة وبنو أذى بن سعد وبنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج وإله ينتسب بنو سلمة المعنيون بالآية الكريمة: ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون)
الأنصار بعد الإسلام:
وبرغم صلة الرحم التي تربط الأوس والخزرج إلا أن حروباً طاحنة وقعت بين الأثنين في يثرب هللك فيها الكثيرون من الطرفين وقد وحدهم الإسلام ونظراً لدورهم البارز في نصرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام أطلق عليهم لقب ( الأنصار ) حتى غلب عليهم وصار في منزلة النسب بالنسبة لهم ، وتسمية الأنصار أطلقها الله سبحانه وتعالى على أفراد قبيلتي الأوس والخزرج اللتان كانتا تسكنان المدينة المنورة أيام البعثة المحمدية ، وذلك عندما بعثوا بوفدين في حجتين متتاليتين وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه القدوم إلى يثرب مبايعين أياه ومهاهديه بالنصرة ،وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وانتصرت الدعوة وقامت دولة الإسلام.
والأنصار لغة مأخودة من النصرة بمعنى إعانة المظبوم على من ظلمه وأعتدى عليه ومنع المستجير ممن يطارده حتى يبلغ مأمنه.
والنصرة كذلك الإنتقام من المعتدي الذي تجاوز حدوده والظفر به وأخذ ما قد سلبه من عند الظافر به وبذلك تكون أشهر معاني النصرة : العون ، المنع ، الظفر ، والإنتقام.
وإصطلاحاً الأنصار – هم الذين آمنوا بالله وساروا على طريقة رسوله صلى الله عليه وسلم ونصروه وأتبعوا أوامره وجاهدوا بين يديه لنشر الإسلام في جميع أنحاء الأرض وهم الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه بعدما طاف على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا له وأستجاب له أهل يثرب وآمنوا به وبايعوه على أن يموتوا دونه ودعوه إليهم وعندما هاجر هو وأصحابه إستقبلوهم وأشركوهم بأموالهم وبيوتهم وجاهدوا معه المشركين فكان موقفهم هذا يشكل إنعطافاً مهماً في طريق الدعوة الإسلامية حيث أوجدوا الأرضية الصلبة التي أعتمد عليها المسلمون في فاتحة الشرك ، والقضاء عليه وبمساعدتهم تمكن المسلمون من الرجوع إلى مكة فاتحين ورافعين رؤسهم ثم أتجهوا بعد ذلك إلى دعوة العالم إلى العدل والحرية والمساواة محررين شعوب الأرض من الشرك وعبادة الأوثان وقد زكاهم القرآن الكريم بقوله ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أتبعوه في ساعة العسرة )
وشجرة النسب الخاصة بالأوس والخزرج مثبتة إلى حد كبير لأن عشائرها قد سجلت في الديوان الذي أنشأه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لنصرتهم للإسلام ووضعوا في المرتبة الثانية ممن فرض لهم العطاء كما تورد دائرة المعارف الإسلامية
[ المجلد الثامن،ص311].
مناقب الأنصار:
وإعترافاً بدور الأنصار في الدعوة الإسلامية وتخليداً له نزلت عدة آيات قرآنية كريمة وحفظت عدة أحاديث نبوية شريفة نورد بعضها فيما يلي:
قال الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم }.سورة التوبة الآية101
وقال الله تعالى : {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم }.سورة التوبة الآية 117
وقال تعالى : (والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) سور الحشر الآية 9
أما الأحاديث التي وردت في مناقب الأنصار وكلها من صحيح البخاري:
* عن غيلان بن جرير قال: «قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به، أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله. كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل علي أو على رجل من الأزد فيقول: فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا».
*عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا، قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام».
* عن أبي التياح قال سمعت أنساً رضي الله عنه يقول قالت الأن
المزيد